الشيخ محمد رشيد رضا

37

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في تعليل أحكام محرمات النكاح فكان معناها ان العمل بتلك الاحكام يكون توبة ورجوعا عما كان قبلها من أنكحتهم الباطلة الضارة وان اللّه شرعها لأجل ذلك ثم اسند إرادة التوبة إلى اللّه تعالى في جملة مستأنفة ليبين لنا أن ذلك ما يريد اللّه تعالى أن نكون عليه دائما في مستقبل أيامنا بعد الاسلام ويقابله بما يريده منا متبعو الشهوات ، كأنه يقول ما جعل إرادة التوبة علة لتلك الأحكام الا وهو يريد ذلك دائما منكم لتزكو نفوسكم وتطهر قلوبكم وتصلح أحوالكم وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً عن صراط الفطرة فتؤثروا داعية الشهوة الحيوانية على كل داعية فلا تبالوا أن تقطعوا لارضائها وشائج الارحام ، وتزيلوا أو اصر القرابة ، وتكونوا مثلهم إمامكم المتبع هو الشهوة ، وغرضكم من الحياة التمتع باللذة ، وقيل المراد بمتبعي الشهوات أهل الكتاب أو اليهود خاصة لأنهم ينكحون بنات الاخوة ، وكذا الأخت لأب كما نقل ، وقيل المجوس ، والمختار ما تقدم من الاطلاق ، قال الأستاذ الامام : ومنهم الذين يقولون بنكاح المتعة ، * * * ثم قال تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ إذ لم يضيق عليكم في أمر النساء ، حتى أنه أباح لكم عند الضرورة نكاح الإماء ، بل لم يجعل عليكم في الدين من حرج قط ، فشريعتكم هي الحنيفية السمحة كما ورد ، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً لا يقدر على مقاومة الميل إلى النساء ولا يحمل ثقل التضيق عليه في الاستمتاع بهن ، فمن رحمته تعالى أنه لم يحرم عليه منهن الا ما في إباحته مفسدة عظيمة ، ومع هذا ترى الزنا يفشو حيث يضعف الدين حتى لا يكاد الناس يثقون بنسلهم ، وحتى تكثر الأمراض ويقل النسل ، ويستشري الفساد في الأرض ، وقد كان الرجال ولا يزالون هم المعتدين في هذا الامر لقوة شهوتهم ، وشدة جرأتهم ، فهم يفسدون النساء ويستميلونهن بالمال ، ثم يتهمونهن بأنهن المتصديات للافساد ، ويحجر واحدهم على امرأته ويحجبها ، ويحتال على إخراج امرأة غيره من خدرها ! ! ! وهو يجهل ان الحيلة التي أفسد بها امرأة غيره ، هي التي يفسد بها غيره امرأته ، وانه قلما يفسق رجل الا ويكون أستاذا لأهل بيته في الفسق ، ومن حكم الحديث الشريف « عفوا تعفّ نساؤكم ،